مصري يقفز من الطائرة في سماء ألمانيا!

امتي كانت آخر مرة عملت حاجة لأول مرة؟
محمود مصطفي كمال- مصر

سماء ألمانيا هي سماء المخاطرين .. هل من الممكن أن تصبح السماء ذاتها تاريخية؟ في هذا الفراغ في القرن التاسع عشر كان الألماني أوتو ليلينتال يحاول خداع الفيزياء وإختراع الطائرة عن طريق طائرته الشراعية التي ألهمت الأخوين رايت فيما بعد في طريقهم لإختراع الطائرة بالفعل، واللذان لهما جذوراً ألمانية بالمناسبة، ليأتي فيما بعد طائرات الحرب العالمية من وإلي برلين .. هذه السماء لم يكن صباحها صافياً ومليئاً بالطيور المغردة كاليوم دائماً.

في الطريق من برلين إلي جرانزي بالقطار كنت أخبر نفسي أن الأمر ليس صعباً، سأصعد إلي السماء كأي رحلة سابقة بالطائرة، كل ما سيختلف هو أنني سأفتح الباب وأقفز!

وصلت إلي جرانزي .. وإلي الطائرة ومكان القفز، وكان من يسجل بياناتي طياراً متقاعداً، سألني من أين أنت؟ قلت له مصر، فكدت أن أري ذكرياته في مصر تقفز من عينيه، "حينما كنت طياراً تجارياً هبطت في مطار الأقصر أتعلم ذلك؟ زرت المعابد والنيل، إنها بلد رائعة".

بالرغم من حبي الدائم لتبادل الحديث، إلا أن الأدرينالين كان قد بدأ في العمل بالفعل، وكان كل ما برأسي هو أنك إذا كنت قد هبطت في الأقصر فدعني أهبط الأن في جرانزي!

محمود واخد الموضوع جد مش هزار

تلقيت تدريباً سريعاً وحان وقت الصعود للطائرة مع ٤ قافزين أخرين .. ترتيبي في القفز هو .. الأول! لا توجد لدي مشكلة علي الإطلاق.

«سوتيرو .. إفتح الباب .. مهمود تذكر ما قلناه في التدريب!» يقولها المدرب الذي سيقفز معي ناطقاً إسمي بلهجته، ومتحدثاً إلي المصور ليستعد، علي ما يبدو أننا سنفتح باب الطائرة ونقفز فعلاً!

فتحنا باب الطائرة .. نظرت للأسفل .. نحن علي إرتفاع ٥٠٠٠ متر .. نحن علي إرتفاع خمسة كيلومترات في الهواء! وأنا علي باب الطائرة المفتوح! لم أستطع الحصول علي وقت كافي للإستيعاب .. أسمع المصور سوتيرو يقول ثلاثة .. إثنان .. واحد ..

إمسك نفسك يا حودة!

قفزنا!

العشر ثوان الأولي كفيلة بأن تعلمك الكثير عن نظرية «النسبية» لأينشتين .. فالأرض علي بعد خمسة كيلومترات، مسافة تأخذ بعض الوقت بالسيارة، ولكنها أيضاً علي بعد دقائق معدودة علي أصابع اليد الواحدة لأنك أنت نفسك تنطلق بسرعة ٢٠٠ كيلومتر في الساعة في الفراغ! يختلف إحساسك بالزمان والمكان، فحركتك صارت سريعة، أسرع من أي سيارة قمت بقيادتها، وإحساسك بالزمن صار أبطأ، فيما تعلمك الجاذبية بعض الدروس التي نسيتها من كتاب المدرسة الثانوية، لا تستطيع أن تفعل أي شئ سوي أن تثق في المدرب الموجود معك الذي يقوم بذلك بشكل روتيني ربما صار مملاً بالنسبة له، متمنياً ألا تكون من النسبة الضئيلة جداً من ضحايا هذه الرياضة حول العالم .. أنت والجاذبية بمفردكما في السماء .. إستسلم للفيزياء!

وووهههوووو .. تفريباً قال كده

مع مرور العشرة ثوان الأولي يبدأ جسدك وعقلك في إستيعاب ما يحدث .. وتبدأ في التأقلم والإستمتاع .. تبدأ في الضحك رغماً عنك لأنك تختبر دفعة من الأدرينالين لم تصلها في حياتك، تبدأ في فرد ذراعيك كأنك تطير .. لكنك في الواقع لست طائراً .. هذا سقوط حر .. أنت في طريقك لحادث تصادم علي سرعة ٢٠٠ كيلومتر في الساعة .. تحتاج إلي فتح الباراشوت بعد مرور دقيقة.

تفتح الباراشوت .. تصعد للأعلي بفعل مقاومته للهواء في الثوان الأولي .. ثم تبدأ في الهبوط ببطء .. وحينها تنظر حولك وقدماك معلقتان في الهواء وسط اللاشئ .. تري الأشخاص والسيارات والطرق كل شئ صغير جداً .. أول ما يطرأ في ذهنك: "هذا هو أفضل ما فعلته في حياتي!".
 

حلوة المانيا من فوق برضو

في طريق العودة من جرانزي إلي برلين في القطار لم أكن أصدق أنني فعلت هذا بالفعل، وكنت أريد أن أقول للأشخاص الجالسين بجانبي في القطار "لقد قفزت لتوي من طائرة!" .. لم أكن أعرف أنني تغيرت إلي الأبد .. فلقد تغيرت نظرتي للطائرات بشكل عام .. فدائماً ما كنت أصعد للطائرة بعد حجز المقعد المجاور للنافذة لأشاهد الإقلاع والهبوط وأحياناً إلتقاط بعض الصور .. أما الأن فكل ما أفعله هو أن أنظر من النافذة .. وأفكر في القفز مرة أخري!

لمزيد من حكايات عن السفر والناس في كل مكان: No Fixed Address
 

Next Story